حفلة شواء في مرمى نفايات سعودي

صحيفة المصدر

 سيتعين على محمود زوبر، الذي يزحف نحو الـ18 من عمره بخطى وئيدة، أن يمضي بقية حياته بنصف وجه.

 ولو شئنا الدقة أكثر، فإن هذا الشاب الناحل كتب عليه أن يتقاسم، من الآن فصاعداً، وجهه بالتساوي مع ندبة بيضاء مائلة للحمرة.
 لقد تسلم محمود في خميس مشيط، قسطاً وافراً من الخسارات التي يتوارث مرارتها اليمني من جيل لآخر.
  ومثلما عاد الإمام يحيى في ثلاثينيات القرن الماضي بنصف بلاد بعد جولة أخيرة خاسرة، فقد رجع محمود و18 من رفقائه بنصف أجساد، وبـ”صفر” من الشرف والكرامة.
 في حكايات المتسللين اليمنيين هناك دائماً ما هو مأساوي وغير معقول. لكن في هذه القضية ثمة شيء مختلف تماماً.
كان ذلك قبل 40 يوماً على وجه التقريب. بدأ الأمر بطريقة معتادة وبسيطة: أطقم شرطة سعودية تشن حملة تعقب لمهاجرين يمنيين غير شرعيين في مدينة خميس مشيط.
كان الهدف هذه المرة 25 شخصاً، ينحدرون من منطقة واحدة، هي باجل محافظة الحديدة.
ولنا أن نتخيل مشهداً يسير على هذا النحو: 4 سيارات شرطة على متنها نحو 15 جندياً يرتدون البزات المدنية، وترافقهم سيارة إسعاف، يطاردون 25 شخصاً ذوي ملامح سمراء داكنة، ويحملون أجساداً هزيلة بشكل مفرط (بينهم 4 أطفال).
كانت المجموعة المطاردة قد أعدت مخبأً تحت مرمى القمامة (هو عبارة عن وكر عفن مسقوف ببقايا الأخشاب والنفايات). لقد كانت على موعد مع الجحيم. فبينما احتمت المجموعة بالمخبأ التعيس ذاك، أخذت الشرطة تطوق المكان من جميع الاتجاهات.
ساعتئذٍ بدأت مراسم حفلة الشواء الملعونة. يقول حمزة محمد حسين، وهو واحد من 7 استطاعوا الخروج من دائرة اللهب ولم يتأذ منهم أحد: “رشت الشرطة مادة بيضاء مثل البودرة تساعد على زيادة اللهب، وأشعلت النار في النفايات وهي تعلم تماماً أن داخلها بني آدم”.
كان نهاراً أشد فظاعة مما يتصور المرء. وبالنسبة لحمزة، الرجل الذي كان يشاهد بقلب مفطور رفقاءه وهم يصطلون في خضم نار قذرة، كان المشهد يبدو له وحشياً بالقدر الكافي.
ما يزال حمزة يفكر في كون الأمن الوقائي السعودي ليس مخولاً بإتلاف النفايات، حيث أن هذه المهمة تضطلع بها البلدية وحدها.
إنه يشك أحياناً في أن المسألة ليست أكثر من تداخل فني في الصلاحيات. ذلك أن الجريمة فوق قدرته على الاستيعاب. كانت النار تلتهم بشراهة أكوام النفايات، التي كانت في تلك اللحظة تحمل مذاقاً ونكهة مغايرين للمعهود. “يا لها من وجبة غير عادية”، لكأن النار تلفظت في سريرتها بهذه العبارة الفرائحية!
يقول حمزة بصوت مخنوق: “سلمت نفسي وذهبت لإسعاف المصابين وحين طلبت البقاء معهم، اعتدى علي الضابط بالضرب، لأني كنت أردد أن الأمن الوقائي هو الذي أحرقهم، والضابط كان يقول: لا قل البدو هم الذين أحرقوهم”.
“أعطاني 4 كفوف ورفسني بجزمته في ظهري” – قال حمزة وقد أغرورقت عيناه بالدموع.
وأضاف، في لقاء مصور أجراه مع الضحايا مندوب “المصدر” في باجل: “كانت الصحافة تصور الحادث لكن الضابط طردهم”.
حينما وجدت المجموعة نفسها في قلب اللهب، كانت الاحتمالات أمامها مغلقة: فإما المكوث في وكر الموت حتى تتحول إلى رماد، أو الخروج إلى قبضة الشرطة.
وأي ما كان الاحتمال، فإن المشهد برمته بدا مشرعاً على نهايات سوداء.
لم يأت الإطفاء إلا في وقت متأخر جداً. ووفقاً للرواية التي أدلى بها درويش عبدالله سلوم لـ”الصحوة نت” السبت الماضي، فإن المهاجرين اليمنيين مرغوا أجسادهم في التراب لإخماد النار.
لا بد أنها كانت لتصبح وليمة شهية. لكن يبدو أن رجل الشرطة السعودي الذي يجر كرشاً ضخماً ومزاجاً صحراوياً عكراً، لم يجد في الأجساد الداكنة والهزيلة ما يصبو إليه. فما من شيء يمكن أن يسيل اللعاب.
 ليس هذا كل شيء بالطبع.
فقد كانوا على موعدٍ مع سلسلة بغيضة أخرى من الانتهاكات تتخطى كل ما هو إنساني وأخلاقي.
على أية حال، تم نقل المصابين ليس إلى المستشفى، بل إلى قسم الشرطة، وهناك خضعوا لتحقيق مكثف، تخللته الكثير من عبارات الشتم والاحتقار من نوع: “يا يماني يا كلب القمائم، مطلوب نأتي بك مقتول أو محروق أو مكلبش”.
بعد ذلك تم نقلهم إلى المستشفى مخفورين. وهناك تلقوا علاجات كيفما اتفق.

 أمضوا في المستشفى 9 أيام فقط، ثم أعيدوا إلى قسم الشرطة. وبحسب درويش، فقد قال لهم الضابط مهدداً: “هي كلمتين ضعوها في آذانكم: إما تكتبوا تنازل أننا لسنا المسؤولين عن الحريق ونرحلكم إلى اليمن، أو تجلسوا هنا حتى تتعفنوا”. وقد أجبروهم على التنازل بالفعل من خلال البصم على أوراق تحمل الشعار الوطني السعودي.

والحق أنها محرقة يمتزج فيها كل ما هو تراجيدي، وكل ما هو سادي. ولو صحت رواية الضحايا فإن الأمر يشبه إلى حد كبير عمليات التطهير العرقي، التي هي تتويج شنيع للتمييز العنصري.
فمنذ حرب الخليج الثانية 1991 ومشاعر الكراهية لا تفتأ تنتشر في الأوساط الشعبية السعودية بشكل مثير. علاوة على ذلك، فالرجل السعودي يشعر بفوقية ميتافيزيقية (فوق طبيعية) تجاه الآخر، لاسيما اليمني.
ما من شك, فهناك تعبئة ضمنية تجري على قدم وساق تجعل من اليمني مخلوقاً شريراً لا مناص من التخلص منه.
لكن، ورغم كل شيء، ما علاقة ماجد شعشع مثلاً، الشاب الذي بات يحمل جسداً مشوياً، بمحاولة اغتيال الملك عبدالعزيز في الحرم المكي قبل 76 عاماً من قبل “شيعي يمني”؟.
لا أدري. غير أن أحد المدونين السعوديين يعيد سرد قصة محاولة الاغتيال تلك، التي لا نعرف مدى صحتها، لتأجيج مشاعر البغض ضد “العصابات اليمانية”، والتحريض على مكافحتها.
لكن الرجل لم يتذكر أبداً واقعة مقتل نحو 1000 حاج يمني عام 1921 على يد غلاة الوهابيين آنذاك، فضلاً عن حفلة الشواء المشينة التي ما تزال رائحة البشر تتصاعد منها حتى هذه اللحظة.
يقول حمزة حسين: “هذا حرام، لا يرضاه أي مسلم، ما يحرق بالنار إلا رب النار”.
مساء الأحد، لم أجرؤ نهائياً على مشاهدة مقاطع الفيديو التي حصلت عليها “المصدر”. لقد كانت تعرض منظراً يثير الهلع حقاً: أطراف يتساقط منها اللحم، وجوه لفحتها النار تماماً، ندوب بيضاء، جروح، دمامل سوداء.
وإزاء هذه القصة, لا يسع الواحد منا إلا أن يتساءل: ما المجدي، بحق الله، في إحراق 18 شاباً بهذه الطريقة النازية؟

 مجهولون ليس أكثر

 تناولت الصحافة السعودية الخبر بنوع من التأفف والكبرياء. فصحيفة عكاظ أوردت رواية مختلفة للحادثة. لكن ليس هذا ما يسترعي الانتباه في الخبر، ذلك أن عكاظ، أو أي صحيفة سعودية أخرى، لن تتجاسر أبداً على نشر معلومة قد تشير إلى تورط عناصر الشرطة في جريمة مروعة كهذه.
الملفت في الأمر هو التالي: لم تلمح “عكاظ” مجرد تلميح إلى البلد الذي ينتمي إليه الضحايا، لا في العنوان ولا في المتن.
كان العنوان على هذا النحو: “حريق في مرمى نفايات يصيب 18 مجهولاً”. في حين بدأ الخبر بهذه الصيغة: “أصيب 18 من مجهولي الهوية بحروق متباينة في حريق شب بمرمى النفايات بخميس مشيط”.
ويختتم نصه هكذا: “مشيراً (أي الناطق الإعلامي في الدفاع المدني) إلى أن المصابين من المجهولين الذين كانوا متواجدين في الموقع لنبش القمامة”.
لم يكن المعنى واضحاً كفاية. بيد أن إبقاء جانب من الخبر غامضاً، وبالتحديد هوية الضحايا، يزيل أي ريبة قد تتبادر إلى ذهن القارئ فيما إذا كان الحادث مدبراً. أو أن كون الضحايا يمنيين لا يعني شيئاً بالنسبة للمحرر.
وعلى الجملة، لن أذكر فكرة أن المهاجر غير الشرعي يتمتع بحقوق في القوانين-المواثيق الدولية. لسبب بسيط: فما حصل في خميس مشيط ينبذه –قبل أي مبدأ دولي- الحس الإنساني، الذي كان يتحدث عنه الملك عبدالله أمس باعتباره أحد سمات المملكة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: